القاضي عبد الجبار الهمذاني
265
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إنما يطلب العاقل ذلك وينفق فيه الأموال لما يحصل له من اللذة بالنظر والملامسة دون الإنزال . قيل له : كيف يصح ما يذكره ، ومعلوم من حال العقلاء أو أكثرهم أنه لا غرض لهم في النظر واللمس إلا التوصل بهما إلى هذا المعنى ، حتى لولاه لكان وجودهما كعدمهما ، فكيف يصرف تعملهم لإنفاق الأموال إلى الأمر الّذي ليس بمقصود ، ويصرف عن الأمر الّذي هو مقصود ؟ فإن قال : لولا أن الأمر كما ذكرته لم تختلف حاله بحسب احتقان ما يزيله بالإنزال في جسمه ، فلما علمت أن ذلك متى كثر لحقته مضرة وكان طلبه الإنزال أشد ، ومتى قل خف ذلك ، علمت أن المعتبر ما ذكرته . قيل له : إن الّذي ذكرته في أن عنده قد تقوى الشهوة بمنزلة الجوع الشديد في أن الشهوة لتناول الطعام تقوى عنده « 1 » ، فلا يدل ذلك على أن الحادث عنده لا يلتذ به ، كما لا يدل مثله في تناول الجائع الطعام . يبين ذلك أنا كما نعلم أن من ليس بجائع قد يلتذ بما يتناوله من الأطعمة وإن لم يجد في نفسه مضرة ، فقد يعلم أن من لا يجد في نفسه مضرة باحتقان ما ينزله عند الجماع في جسمه « 2 » ، قد يطلب ذلك ويلتذ به ، فكيف يصح أن يقال إن ذلك هو دفع الضرر فقط . ولو جاز ذلك لجاز مثله في تناول الأطعمة والأشربة على ما حكى عن بعض الأطباء . ثم يقال له : إن الّذي اخترته من المذهب ينقض أصولا كثيرة ، لأنه يوجب أن حقيقة الألم مما « 3 » يختلف ، فمرة يكون ألما لإدراكه ما يبقى طبعه عنه ، ومرة
--> ( 1 ) أي عند الجوع . ( 2 ) أي مضرة في جسمه . ( 3 ) في الأصل منا .